الثلاثاء, 26 شباط/فبراير 2013 00:15

ثقافة " البلطجة"و الثورات العربية

كتبه  د لطفى الشربينى
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

  لعل من مهام الطب النفسي وعلم النفس - بالإضافة إلى علاج الحالات - النفسية دراسة ومتابعة ومواجهة الظواهر العامة التي تهم الناس ، ومن الملحوظ في الآونة الأخيرة لكل من يتابع الأخبار.. وما يحدث على امتداد العالم العربي مع تفجر الثورات الشعبية بصورة متتابعة بدأت في تونس ومن بعدها مصر ثم ليبيا واليمن وسوريا وبقية الدول العربية الاخرى..

وكان القاسم المشترك في كل المناسبات التشابه في اساليب الانظمة الدكتاتورية عند مواجهة الاحتجاجات وثورة الشعب ..

بداية من القمع باستخدام الوسائل المعروفة والاسلحة المختلفة,, وحتى الاستعانة بفئات معينة يطلق عليها في مصر " البلطجية" وفي اليمن " البلاطجة", وقي تونس "كلوشار" من الاصل بالفرنسية بمعنى المتشرد, وفي الشام " الشبيحة"..وهو وصف لبعض الخارجين على القانون الذين يقومون باعمال العنف والترويع لحساب جهات أمنية تابغة للسلطة غالبا ما تدفع بهم كأداة قمع خاصة ضد الثوار اثناء الاحداث ..

  ومن الانسب وصف سلوك " البلطجة " كبديل عن وصم اشخاص بهذه الصفة.. والجرائم وحوادث العنف التي تحولت إلى ظاهرة يعاني منها المجتمع في كثير من بلاد العالم العربي وتزايدت معدلاتها اثناء اخداث الثورات..، وقد تزايد الاهتمام بجوانب هذا الموضوع علي نطاق واسع خصوصاً ما يتعلق بالناحية الأمنية لمواجهة هذه الظاهرة التي أصبحت تمثل تهديداً خطيراً لشعور الأمن الذي يعتبر في مقدمة الاحتياجات الأساسية للأفراد والمجتمع عموماً حتى تستمر حياة الناس في مسيرتها المعتادة ، غير أن المواجهة لا يمكن أن تكون مكتملة أو فعالة إذا لم تتضمن الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والنفسية للموضوع بجانب الناحية الأمنية .. وهنا اقدم رؤية نفسية للظاهرة وتحليلاً لدوافعها وشخصية الذين يقدمون علي القيام بها في سياق اكثر شمولا .
 ومن وجهة النظر النفسية فإن هذه الظاهرة التي يعرفها الجميع بالعنف أو " الإجرام " أو البلطجة وهي الخروج علي القواعد والقوانين والميل إلى العدوان علي الأنفس والممتلكات بما في ذلك من تعد سافر علي حقوق الآخرين ليست جديدة بل لها جذور اجتماعية ونفسية ، وتحدث بنسب متفاوتة في مختلف مجتمعات العالم ، وهي بالنسبة للطب النفسي أحد أنواع الانحرافات السلوكية نتيجة للاضطراب في تكوين الشخصية ، وبدلاً من التكوين السوي للصفات الانفعالية والسلوكية التي تشكل الشخصية التي يتعامل بها الفرد مع الآخرين والتي تتكون مبكراً وتتصف بالثبات والاستقرار ولا تتغير فإن الاضطراب يصيب الشخصية فيحدث انحراف وخروج علي الأسلوب الذي يتعامل به الناس في المجتمع مما يتسبب في الاصطدام بين أولئك الذين يعانون من اضطراب الشخصية الذي يطلق عليه الأطباء النفسيون الشخصيـة " المضادة للمجتمع " Antisocial personality .. ولعل في هذا المصطلح وصفاً لما يحدث من خروج علي قوانين المجتمع وسوء التوافق مع الآخرين والاصطدام بالقوانين وهو ما يوصف أيضاً بالسيكوباتية Psychopath والتي تعرف لدى العامة " بالبلطجة " أو الإجرام الذي يتصف به الأشخاص الذين يعرف عنهم الميل إلى ارتكاب هذه الحوادث وتكرار ذلك دون رادع من ضميرهم أو خوف من العقاب الذي ينتظرهم .
 وتحدث الانحرافات السلوكية الناجمة عن حالات اضطراب الشخصية -وهي حالات تختلف عن الأمراض النفسية التقليدية مثل القلق والاكتئاب والفصام والوساوس - في نسبة تصل إلى 3% من الذكور ،1% من الإناث حسب الإحصائيات العالمية في بعض المجتمعات ، وتبدأ بوادر الانحراف السلوكي في مرحلة المراهقة عادة أو قبل سن الخامسة عشرة ، وتحدث بصفة رئيسية في المناطق المزدحمة والعشوائية ،وتزيد احتمالاتها في الأسرة كبيرة العدد ،وفي المستويات الاجتماعية والتعليمية المنخفضة ، وفي دراسات علي أقارب المنحرفين من معتادي الإجرام والذين يتورطون في جرائم العنف ( أو البلطجية ) ثبت أن نفس الاضطراب السلوكي يوجد في أقاربهم بنسبة 5 أضعاف المعدل المعتاد ، كما أن الفحص النفسي لنزلاء السجون اثبت 75% ممن يرتكبون الجرائم المتكررة هم من حالات اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع أو ما يطلق عليه الشخصية "السيكوباتية" .. ويستدل من ذلك علي أن جذور ودوافع العنف تبدأ مبكراً مع تزايد هذه الممارسات والسلوكيات في بيئات معينة يتواجد فيها الشخص في فترات حياته المبكرة حيث يجد فيها النماذج السلبية التي يقلدها ويضاف إلى ذلك الاستعداد الفطري للانحراف لدى بعض الأشخاص الذين يتحولون مع الوقت إلى الإجرام والجنوح لتكون سمة دائمة واختيار متكرر في حياتهم .


  وفي الدراسات النفسية التي تقوم علي الفحص لشخصية هؤلاء المنحرفين الذين يتكرر ارتكابهم لحوادث العنف فإن المظهر العام قد يبدو هادئاً مع تحكم ظاهري في الانفعال غير أن الفحص النفسي الدقيق يظهر وجود التوتر والقلق والكراهية وسرعة الغضب والاستثارة لدى هؤلاء الأفراد ، وهم لا يعتبرون من المرضي النفسيين التقليديين ، ولا يعتبرون مثل الأسوياء أيضاً، بل هي حالات بيئية يمكن أن يؤكد تاريخها المرضي الميل إلى الانحراف ، والكذب ، وارتكاب المخالفات والجرائم كالسرقة ، والمشاجرات ، والإدمان ،والأعمال المنافية للعرف والقانون ، وتكون الجذور والبداية عادة منذ الطفولة ، وهؤلاء لا يبدون أي نوع من الندم أو تأنيب الضمير ، ولا ينزعجون لما يقومون به بل يظهرون دائماً وكأن لديهم تبرير لما يفعلونه من سلوكيات غير أخلاقية في نظر الآخرين ،وليس المنحرفون نوعاً واحداً ، فمنهم من يستغل صفاته الشخصية في تحقيق بعض الإنجازات دون اعتبار للوسائل ، ومنهم من يتجه إلى إيذاء الآخرين أو تدمير نفسه أيضاً ، ومنهم من يتزعم مجموعة من المنحرفين أو من يفضل أن يظل تابعاً ينفذ ما يخطط له الآخرون .. ولاشك أن جرائم العنف كالقتل والمشاجرات والاغتصاب ترتبط بالانحرافات السلوكية الأخرى مثل الإدمان والسرقة والأعمال المنافية للآداب العامة ، وتزيد احتمالات الإصابة بالاضطرابات النفسية في الأشخاص الذين يرتكبون هذه السلوكيات نتيجة لاضطراب الشخصية.
  وليس الحل لهذه الظاهرة الخطيرة أمراً ميسوراً من وجهة النظر النفسية بل يتطلب المشاركة بين جهات متعددة لأن الظاهرة معقدة ولها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأمنية والنفسية .. وهنا نضع بعض النقاط لتكون دليلاً للتفكير في كيفية التعامل مع المسألة دون إهمال للجوانب النفسية الهامة لها، نوجزها فيما يلي:
 المنحرفون الذين يعرفون بالبلطجية يختلفون تماماً عن المرضي النفسيين رغم انهم حالات من اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع ، كما انهم يختلفون عن مرتكبي الجرائم بدافع محدد في ظروف معينة ، ولا يعتبرون من المتخلفين عقلياً ، بل هم حالات غير سوية تتطلب أسلوباً آخر للمواجهة .
 للظاهرة جوانب أخرى حيث يشجع علي تفاقمها عدم توقع العقاب الرادع ، والعدالة البطيئة ، وعدم وجود ارتباط مباشر بين ارتكاب المخالفة القانونية وتطبيق العقاب المناسب ، والتأخر في مواجهة الحوادث الفردية حتى تتزايد لتصبح ظاهرة .
 الوقاية هنا أهم من العلاج وتبدأ بالاهتمام بالتنشئة ، لأن الانحراف الذي يصيب الشخصية يبدأ مبكراً ، وإذا حدث فإن علاجه لا يكون ممكناً.
 في بعض البلدان يتم وضع هؤلاء المنحرفين بعد تشخيص حالتهم - وقبل أن تتعدد الجرائم التي يقومون بارتكابها - في أماكن تشبه المعتقلات من حيث النظام الصارم، وبها علاج مثل المستشفيات ويتم تأهيلهم عن طريق تكليفهم ببعض الأعمال الجماعية والأنشطة التي تفرغ طاقة العنف لديهم.

  وبعد فقد كانت هذه رؤية نفسية لجرائم وحوادث العنف إلى أصبحت من الظواهر المنتشرة في مجتمعات العالم العربي وتزايدت مع احداث الثورات الحاليةاً.. وقد كان الدافع إلى محاولة تحليل أسبابها ودوافع ارتكابها وشخصية مرتكبيها هو البحث عن حل يعيد شعور الأمن ليحل محل القلق والخوف من هذه الظاهرة .. والكلمة الأخيرة هي أن كل الجهات التربوية والأمنية والدينية ومؤسسات الرعاية النفسية والاجتماعية والإعلام والجهات الأخري يجب أن تنسق جهودها وتتعاون معاً لمواجهة مثل هذه الظواهر التي تهم كل قطاعات المجتمع وترتبط بالحياة النفسية والاجتماعية للناس في كل مناسبة وكل موقع .

  وثمة كلمة اخيرة اتوجه بها من موقعي – كطبيب نفسي – الى القائمين على الامور في البلاد التي تعيش الثورات, او التي تنتظر,هى نداء بعدم اللجوء الى الاساليب ارخيصة كالبلطجة اداة للتعامل مع الخصوم لخطورة ذلك على الامن والسلام النفسي و آثاره الوخيمة الحالية واللاخقة على المجتمع اذا تم السماح بانتشار ثقافة " البلطجة".

 

المصدر : www.elazayem.com

إقرأ 4423 مرات
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed