الأربعاء, 27 شباط/فبراير 2013 00:38

العين الحاسدة بين المنكرين والمؤيدين

كتبه  رضى الحمراني
قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)

 تعتبر العين الحاسدة من الأمراض الروحية التي تصيب الإنسان، من وجهة نظر علماء النفس المسلمين الذين انطلقوا من النصوص القرآنية و النبوية لإثبات وجود ثلاث أمراض روحية و هي العين، السحر و المس بالجن (1)، ففيما يتعلق بالعين الحاسدة و السحر فقد تأكد وجودهما بآيات القرآن الكريم و بالأحاديث الصحيحة و بإجماع علماء الشريعة، و فيما يخص المس بالجن فأهم آية نزلت فيه هي قول الله تعالى﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس... ﴾ (البقرة : 275)، 

و قد اختلف أهل العلم في تفسيرها، و انقسموا بين مؤكد لوجود هذا المرض، كابن تيمية و ابن القيم الجوزية و شهاب الدين الألوسي و محمد الصالح العثيمين، و بين منكر لتحقق إصابة الإنسان بالمس،كالزمخشري و البيضاوي و محمد متولي الشعراوي و الدكتور يوسف القرضاوي(2).

 ونظراً لكون تأثير العين الحاسدة غير ملموس و غير محسوس، فقد استبعدها علماء النفس الغربيين من مجال البحث في علم النفس العام، الذي لا يدرس إلا الظواهر النفسية التي يمكن ملاحظتها بالعين المجردة و قياسها بالتجربة، لذلك صنفوا تأثير العين ضمن تخصص علمي مستقل تأسس سنة 1889 ميلادية، على يد العالم الألماني ماكس دسوار تحت اسم ما وراء علم النفس أو علم النفس الخوارق (Parapsychologie)، و ينقسم إلى عدة فروع من بينها : قراءة الأفكار (Télépathie) ويعني قدرة بعض الأشخاص على التواصل الذهني فيما بينهم، دون الحاجة للكلام أو الكتابة أو الإشارة، ثم الجلاء البصري (Précognition) أو القدرة على معرفة الأحداث قبل وقوعها عن طريق إدراك ما وراء البصر ،كرؤية شخص يتعرض لحادثة من مسافة بعيدة، و نجد أيضاً القدرة على تحريك الأشياء عبر النظر إليها (Psychokinésie) و هو الفرع الأقرب لمرض الإصابة بالعين الحاسدة(3).

   إن تأثير العين المذكور في هذا الفرع الأخير جاء فضفاضاً و بعيداً عن التأثير الحقيقي الذي يعاني منه الناس، لذلك فالدارس لمرض الإصابة بالعين الحاسدة من منظور علم النفس الإسلامي، يجده أكثر دقة في وصف هذا المرض، و هذا ما يفتح لنا باب التساؤل قائلين : كيف تتحدد الإصابة بالعين في القرآن الكريم و السنة النبوية ؟ و ما هو التفسير العلمي لها ؟ و كيف يتعامل معها عامة المسلمين و الأطباء المتخصصين ؟ و أخيراً ما هي الطرق الجائزة من الناحية الشرعية للوقاية من العين الحاسدة و ما هي وسائل العلاج منها في حالة الإصابة بها ؟

 1.       إثبات الإصابة بالعين في القرآن و السنة

   إن العين حق وهي تصيب الأشياء فتتلفها، و لا تفسدها إلا بإذن الله تعالى، و قد أكد القرآن الكريم على صدق حدوثها في قوله عز و جل ﴿ و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر و يقولون إنه لمجنون، و ما هو إلا ذكر للعالمين ﴾ (القلم : 51-52)، لقد أجمع معظم علمائنا الأجلاء المتقدمين منهم و المتأخرين الذين فسروا هذه الآية على إثبات إصابة الإنسان بالعين الحاسدة(4)، و خلاصة تفاسيرهم تشير إلى أن الله تعالى كشف لنبيه محمد صلّى الله عليه و سلّم، عن خبث نفوس الكافرين فقال ﴿ و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ﴾، أي أنهم يُصَوِّبون نظراتهم المحتقنة  بالحقد و الحسد تجاهك، كما يصوِّب الرماة سهامهم المبللة بالسم إلى أعدائهم، و قصدهم من وراء هذا العمل المَقيت هو أن يُهلكوا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم، و يُزِّلوا قدمه الشريفة حتى تتعثر و يسقط على الأرض صريعاً،  ليتمتعوا برؤيته و هو في حالة مُهانة.

      إن السر في كون نظرات الكفار ملتهبة بالكراهية و الشر، هو استحسانهم لما أنعم الله على رسوله من بهاء النبوة، و إعجابهم بالبلاغة القرآنية و بفصاحة السنة النبوية ﴿ و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ﴾، و هي مستويات راقية من الحسن اللغوي، لم يَروها في رجل من قبله قط، فلما عجزوا عن بلوغ هذه المراتب العالية و المقامات الربانية،  خصوصاً و أن حسن الكلام  كان من أعظم ما يفتخر به العرب في عهد البعثة، حيث يتنافس الشعراء داخل أروقة مكة المكرمة على التفنن في صياغة أجمل الأساليب و العبارات الشعرية.

 لقد بلغ القرآن الكريم الذي أنزل على نبي الإسلام من حلاوة الكلام حدّاً لم يتوقف معه عند حد إبهار الإنس، بل جعل حتى  الجن يعشقونه حين سمعوا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و هو يقرأه، قال الله عز وجل ﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجباً ﴾ (الجن : 1)، أي أن الجن أَخبروا قومهم لما رجعوا إليهم، بأنهم تعجبوا لفصاحة النبي صلّى الله عليه و سلّم حين سمعوه و هو يقرأ القرآن، و أُعجبوا بغزارة معانيه و ببهاء جرسه، فلما تعرّفوا على عظمة ما أوتي نبيُنا من إعجاز لغوي، بدئوا يتزاحمون حوله ليتمتعوا بالاستماع إليه و هو يتلوا القرآن(5)،  قال الله جل علاه ﴿ و أنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ (الجن : 19).

      لكن كفار قريش حين فشلوا في النيل من هذا النبي الكريم بنظراتهم الشريرة، لأن الله تعالى عصمه من أذى عيونهم المشحونة بالحقد و الحسد، لم يجدوا في النهاية حيلة سوى نَعته بالجنون ﴿ و يقولون إنه لمجنون ﴾، و وصفه بهذه الصفة دليل على أنهم أُصيبوا بالحيرة في أمره، فحاولوا أن يُنفِّروا الناس من حسن كلامه الذي يدهش العقول و يبهر القلوب، فاتهموه بالحمق مع أنهم يعلمون علم اليقين، بأنه أرجحهم عقلاً و أقواهم حجة و أقومهم خلقاً و أوفرهم حكمة، و لا يقدر على تحمل عظمة رسالة الإسلام إلا من توفرت فيه هذه الفتوحات الربانية و الكمالات البشرية. 

    إن السنة النبوية تتضافر مع القرآن الكريم في إثبات وجود مرض الإصابة بالعين، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : « العين حق»، و عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال : "العين حق و لو كان شيء سابق القدر سبقته العين و إذا استغلتم فاغسلوا " رواه مسلم، و قد فصَّلت الأحاديث النبوية أنواع الأضرار الناتجة عن الإصابة بالعين، و نذكر من بينها :

 1.1.               العين تقتل بإذن الله سبحانه، فعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم « أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله و قضائه بالأنفس [يعني بالعين]» رواه الألباني باسناد حسن و البزار.

 2.1. العين تصيب الإنسان بالمرض، و الدليل قصة الصحابي سهل بن حنيف رضي الله عنه، الذي أُصيب بعين عامر بن ربيعة رضي الله عنه حين رآه هذا الأخير و هو يغتسل، فأُعجب ببياض جسمه و جمال جلده، فمرض سهل من جراء هذه النظرة، فلما بلغ ذلك النبي صلّى الله عليه و سلّم، استدعى عامر بن ربيعة، فخاطبه و هو متغيظ عليه قائلاً :  « عَلاَمَ يقتل أحدكم أخاه ؟! هَلاَ إذا رأيت ما يعجبك بَرَّكت ؟!» ثم قال له : «اغتسل له»، فغسل وجهه و يديه و مرفقته و ركبته و أطراف رجليه و داخل إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس،  رواه أحمد و النسائي و ابن ماجة.

3.1.العين تُضعف الرجل الرفيع  القوي البنية، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : رخص رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لآل حزم في رقية الحية، و قال لأسماء بنت عميس :   « مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة نحيفة تصيبهم الحاجة ؟» قالت : لا، و لكن العين تُسرع إليهم، فقال : «أَرقيهم»، قالت فعرضتُ عليه فقال «أَرقيهم» رواه مسلم، و معنى قولها عرضت عليه أي قرأت عليه الكلمات التي تتكون منها الرقية، فأقرّها على رقيتهم بها لخلوها من الألفاظ الشركية، و من فوائد هذا الحديث أن الأطفال الصغار يتأثرون بالعين أكثر من تأثر الراشدين و المسنين بها.

4.1.العين تسقط الإنسان على الأرض، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : « إن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالقاً [الجبل] فيتردى منه » رواه أحمد.

      أما أهل العلم فقد زادوا في التأكيد على ما ورد في القرآن و السنة، ففي تعريف دقيق لابن حجر العسقلاني، أن أصل الإصابة بالعين هو نظرة باستحسان ممزوجة بحسد، تصدر من الإنسان الخبيث الطبع، يحصل للمنظور من خلالها ضرر بإذن الله تعالى.

       إن كل هذه الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و أقوال علماء الشريعة، تشترك   في ثلاثة أمور أساسية و هي، أولا أنها تثبت وجود الإصابة بالعين بشكل قاطع لا شك فيه، و أكبر شاهد على ذلك هو تعرض النبي صلّى الله عليه و سلّم، للنظرات الحاسدة للكفار و حفظ الله تعالى له من شرها. ثانياً أن التأثير السلبي للناظر لا يقع على المنظور إلا بإذن الله عز و جل. أما النقطة الثالثة فتتجلى في كون النصوص القرآنية و النبوية تقدم لنا أجوبة شافية و حاسمة عن العين الحاسدة، و هي تغنينا عن المعارف الظنية و المرتبكة في علم النفس الغربي، الذي اكتفى بستر عجزه و النقص الحاصل لديه في العلم بهذا المرض الروحي، بأن صنفه ضمن علم النفس الخوارق ليرتاح علماء الغرب نسبياً، من الحرج الذي قد يخلِّفه إنكارهم لوجود هذه الظاهرة الروحية الفطرية في النفس البشرية.

 2.     التفسير العلمي للإصابة بالعين الحاسدة

  لكي نفهم كيف يؤثر العَائِنُ في المعْيُونِ عبر النظر إليه بالعين المجردة، ينبغي علينا في البداية التعرف على الموجات الكهرومغناطيسية  (Ondes Electromagnétiques) (5)، التي بواسطتها تتمكن العين من الإبصار، و هي موجات تتكون من مجالين كهربائي و آخر مغناطيسي متعامدين على بعضهما البعض، و وحدة قياس طول هذه الموجات هي النانومتر  (Nanomètre : Nm)الذي يساوي جزء من مليار من المتر (6)، و يعد الضوء المرئي الذي يتم بفضله إبصار الأشياء من أشهر الموجات الكهرومغناطيسية، و يتراوح طول موجاته ما بين (380 و 750 Nm) ، و يبدأ عند اللون الأحمر (630 و 700 Nm و ينتهي عند اللون البنفسجي (400 و 450 Nm)، و بينهما توجد أطوال مختلف الألوان (7)، و إذا نقص الضوء أو زاد عن هذه القيم أصبحت موجاته غير مرئية، كالأشعة ما فوق البنفسجية (60 Nm و 380 Ultraviolet) و الأشعة تحت الحمراء  (780 Nm و 1.000.000 Infra-rouge).

      إن العين حسب هذه المعطيات العلمية تستقبل الموجات الكهرومغناطيسية التي يتم تحليلها على مستوى الدماغ فيتم الإبصار، لكن العين البشرية لا تقف عند حدود استقبال الموجات، بل هي قادرة حسب الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية السالفة الذكر، على إرسال موجات كهرومغناطيسية تؤثر في أجسام الأشياء التي تشاهدها، و الدليل قول الله جل علاه ﴿ و إن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ﴾، و قول النبي صلّى الله عليه و سلّم  « العين حق» رواه البخاري و مسلم، إن أبحاث العالم الفيزيائي الألماني ماكس بلانك (Max Planck) تشير إلى ذلك،  ففي نظريته الكمية (8)، بيَّن أن الأشعة الكهرومغناطيسية تتميز بكونها لا تمتص كميات من الطاقة  فحسب، بل تنبعث منها شحنات أخرى من الطاقة، و أطلق عليها اسم  "كونتا" و هي أصغر كمية من الطاقة يمكن امتصاصها أو انبعاثها من الشعاع الكهرومغناطيسي(9)، لكن كيف يقع تأثير العائن في المعيون حسب هذه المعطيات العلمية ؟

إن الأبحاث و الدراسات حول هذا الموضوع قليلة جداً إن لم نقل ناذرة، و السبب راجع إلى كون علماء الغرب اعتبروا تأثير العين في الأشياء، ظاهرة غير علمية و صنفوها ضمن الظواهر الروحية البعيدة عن نطاق العلم، و قد تطرق علمائنا المسلمين المتقدمين لهذه الظاهرة، أما علمائنا المعاصرين فأرجوا أن ينجزوا أبحاث في هذا الباب و أتمنى أن أشارك في واحد منها، بحيث تقوم مبدئياً على تحديد مجموعتين، مجموعة تجريبية تتكون من أشخاص تُعرض عليهم أشياء تعجبهم، فيوجِّهون نظراتهم إليها مع تلفظهم بالدعاء بأن يبارك الله فيها، و أثناء ذلك يتم قياس طول و تردد الموجات الكهرومغناطيسية لمجالهم البصري، ثم نقوم بنفس التجربة مع مجموعة ضابطة التي يقوم أفرادها، بتوجيه أنظارهم للأشياء التي تعجبهم دون أن يدعوا لها بالبركة، ثم نُسجل موجاتهم الكهرومغناطيسية بالأجهزة المخصصة لذلك، و في النهاية يتم مقارنة النتائج لتقييم الفروق بين طول و تردد موجات كل مجموعة، و حجم الأضرار التي  يمكن أن تلحق بالأشياء المنظور إليها (حيونات مخبرية مثلا) في كلا المجموعتين.

 إننا في هذا المقال إذن، لا يمكننا الحديث إلا عن محاولة للتفسير العلمي لهذه الظاهرة، من خلال بعض معطيات الأبحاث الفيزيائية التي تشير إلى كون الذرات التي تتألف منها الموجات الكهرومغناطيسية تكون شحنتها عادية،  لكن  حين يقع بصر الإنسان على شيء يعجبه ترتفع شحنة الذرات الكهرومغناطيسية، نتيجة الشعور بالإعجاب و تسمى هذه الحالة بالذرة المتهيجة، و معلوم أن هيجان الذرة قد يقع تلقائياً نتيجة تعرض الذرة للضوء أو إذا تأثرت بطاقة كهربائية أو أي نوع من أنواع الطاقة الأخرى، كما يمكن لذرات هذه الموجات أن تتهيج ذاتياً نتيجة تأثرها بالعوامل النفسية الداخلية (الإعجاب بالشيء المنظور)، كما أن عملية تهييج الذرات هي تقنية يلجأ إليها العلماء لأغراض الدراسة و البحث.

صورة توضيحية للكيفية التي يؤثر بها العائن في المعيون من خلال موجاته الكهرومغناطيسية

     إن حالة الذرة المتهيجة هاته هي وضعية مؤقتة، لا تستطيع الذرة البقاء عليها لمدة طويلة، لأن الشحنات الكهرومغناطيسية الموجودة بداخلها تكون عالية جداً، مما يضطرها إلى محاولة تفريغ هذه الشحنات الزائدة، لتعود إلى حالتها الطبيعية عندئذ تُحرر إلكترونات الذرات الكهرومغناطيسية للعائن الطاقة الزائدة على شكل فوتونات (10)، التي تنطلق من عين الحاسد إلى جسد المعيون فيمتص هذه الفوتونات المتهيجة فيتأذى بذلك، لقوة شحنتها و قد يؤدي به الأمر إلى حد الإصابة بالمرض.

    لقد أشار ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى إلى هذه القضية بفراسته العلمية قائلا: (إن العائن إذا تكيَّفت نفسه بالكيفية الرديئة، انبعث من عينه قوة سُمِّيَّة [أي موجات كهرومغناطيسية محملة بذرات متهيجة] تتصل بالمعيون فيتضرر بها)، و يضيف ابن القيم في وصفه لهذه القوة المؤذية بأنها، (عبارة عن جواهر لطيفة غير مرئية [أي موجات كهرومغناطيسية يقِل أو يزيد طول موجاتها عن القيمتين  380 و 750 Nm، لذلك فهي تدخل  في مجال الأشعة التي  لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها]، فتتصل بالمَعِين و تتخلل مسامَّ جسمه، فيحصل له الضرر [ أي أن هذه الموجات حين تدخل إلى جسد المعيون، تُفرِّغُ ذراتها المتهيجة شحناتها الزائدة على شكل فوتونات، و قد يصاب المعيون من جراء ذلك بالمرض أو الحمّى، لهذا تسمى الموجات الكهرومغناطيسية أيضاً بالموجات الحرارية])، و ينبه ابن الجوزية إلى أن عقلاء الأمم على اختلاف أفكارهم و اعتقاداتهم لا ينكرون حقيقة هذا التأثير، و لا يستبعده إلا من قلَّ نصيبه من العلم الشرعي، و ضعُفت معرفته  بالنفوس  البشرية و صفاتها، و كيفية تأثير نزعاتها الحاسدة على مستوى حواس الشخص الحاسد، و انتقالها عبر بصره إلى جسد الشخص المحسود (11).

     لكن بمجرد أن يشعر العائن بالإعجاب عند النظر للمعيون، و يدعوا له في الحين بالبركة قائلاً (اللهم بارك له)، كما وجهنا إلى ذلك نبينا محمد صلّى الله عليه و سلّم حين قال لعامر بن ربيعة « ...هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت ؟!»، و في هذه الحالة فرغم تهيّج الموجات الكهرومغناطيسية للعائن عند إعجابه بنعمة لدى المعيون، فإذا دعى له بالبركة فإن هذا التبريك يكبح النفس الأمّارة بالسوء عن التمادي في خبثها، و يمنعها من الانتقال من حالة الإعجاب المحمود إلى حالة الحسد المذموم تجاه المعيون، كما يثير التبريك دافع الخير في نفس العائن و يقويه، فيتمنى دوام النعمة لدى المعيون رغم إعجابه بها، مما يؤثر إيجاباً على الموجات الكهرومغناطيسية لمجاله البصري، فتتحول هذه الموجات من حالة الهيجان لتعود إلى شحناتها العادية الغير مؤذية، لأن التبريك يهدأ من هيجان الذرات و يخلِّصها من الطاقة الزائدة و الضارة التي توجد بداخلها.

     إن مثل العائن في هذه الحالة  كما يقول ابن القيم ،كمثل رجل بيده شعلة نار و أراد أن يقذف بها شخصاً آخر هو المعيون، فحين يبرّك فكأنه صب على تلك الشعلة النارية ماءاً فأطفأها(12)، فحتى لو قذف المعيون بها فإنها لا تضره لأنها جمرة منطفأة، أما إذا لم يبرّك و سلَّط عليه نظراته الحاسدة المشحونة بالذرات الكهرومغناطيسية المتهيجة، فكأنما قذفه بجمرة ملتهبة يتأذى بها المعيون لا محالة، إلا إذا كان هذا الأخير مواظباً على أذكار الصباح و المساء، و تغمده الله بحفظه و رعايته فإنه لا يصيبه أي مكروه بإذن الله جل علاه.

 3.      العين بين تهويل عامة المسلمين و تهوين الأطباء المتخصصين

     إن الآفة التي يعاني منها المجتمع الإسلامي المعاصر، هو تبني أفراده لموقفين متطرفين بخصوص الإصابة بالعين الحاسدة، فمن جهة نجد مجموعة من الأطباء المتخصصين سواء في الأمراض العضوية أو النفسية، يُنكرون وجود هذا المرض لتأثرهم القوي بالعلوم الغربية، و ضعف رصيدهم من المعرفة بالقرآن و السنة، حتى تجرأ بعضهم على القول بأن العين مجرد أوهام لا حقيقة لها في الواقع، و هم في ذلك مَلومين على تفريطهم في الإطلاع على العلوم الإسلامية المرتبطة بالأمراض الروحية، التي ينبغي لكليات الطب و العلوم الإنسانية أن تدرجها ضمن مقرراتها الدراسية، لأن الاكتفاء بتدريس العلوم الغربية يجعل تكوين الطبيب العضوي و الأخصائي النفسي تكويناً ناقصاً.

     فمرض النحافة الذي أصاب أبناء أسماء بنت عميس مثلاً، و الذي أشار إليه النبي صلّى الله عليه و سلّم في الحديث المذكور أعلاه، و أقرّ فيه أسماء رضي الله عنها في تحديد سببه و هو الإصابة بالعين، فلو أن أبناء هذه الصحابية الجليلة كانوا يعيشون في عصرنا، لقمنا في المرحلة الأولى بمحاولة تشخيص النحافة لديهم بالتوجه إلى الطبيب العضوي، الذي سيكتشف خلوهم من الأسباب الفزيولوجية، ثم يحيل الصبيان إلى الأخصائي النفسي الذي سيستبعد بدوره السببية النفسية للنحافة، و هنا تبرز ضرورة إلمام الأطباء العضويين و النفسيين في عصرنا بتصنيفات الأمراض الروحية في علم النفس من منظور إسلامي (13)، ليتمكنوا من تشخيصها (الإصابة بالعين في هذه الحالة)،  أما فيما يخص طرق الوقاية منها و علاجها فسيتم التطرق لذلك في المحور القادم من هذا المقال.

        لكن، إذا كانت فئة من الأطباء قد أنكرت مرض الإصابة بالعين الحاسدة، فإننا نجد من جهة أخرى فئة مهمة من عامة الناس الذين يغلب عليهم الجهل، يؤمنون بوجودها لكنهم يبالغون في وصف تأثيراتها الضارة و يجعلونها سبباً لكل شيء، فإذا اشتكى أحدهم من أبسط أَلَم أو وَجع ينسبه للعين الشريرة التي تصدر عنها قوى خارقة و مدمرة تفتك بالإنسان، و إذا تعثر أحدهم في الطريق أو واجه بعض الصعوبات خلال قضاءه لبعض المصالح، يَرُدُ ذلك لجيرانه و أقاربه الذين يراقبونه في كل ما يفعل و يحسدونه على كل ما لديه، لذلك تراه يعلق القلادات و التمائم لتقيه من كل هذه الشرور،  و هذا دليل على انتشار الخوف من الإصابة بالعين في صفوف المسلمين، الذين يُعَدّون من  أكثر الشعوب في العالم توجساً من نظرات الناس إليهم، التي يكون وقعها على قلوبهم ثقيلا كثقل الجبال، أما ثقتهم بالله في كونه سيحميهم من أذى العين، فهي ثقة مهتزة كاهتزاز الريش في مهب الريح.

       و من الضلالات و البدع التي وقع الناس في أوحالها من جراء مبالغتهم في شأن العين الحاسدة، لجوء بعض ضعفاء القلوب إلى استعمال خرزة زرقاء على هيئة عين أو كف، توضع في قلادة و تعلق في العنق، أو في باب المنزل ظناً منهم أنها تصد النظرات الحاقدة للناس و التي قد تصيب البيت بمكروه، و هناك من يخاف على سيارته فيعلِّق على واجهتها حدوة حصان (حذائه)، معتقداً بأنها  تحميه من النظرات اللئيمة و الشريرة  للحاقدين و الحاسدين، كما أن البعض الآخر يستعمل البخور لاستعطاف الأرواح الشيطانية الغير مرئية لكي لا تصيبه بعيونها الخفية.

       و قد تصادف شخصاً يخشى على وضيفته من الضياع، و آخر يخاف على دراسته من أقرانه الجهلاء، و أُخرى تخشى على جنينها من أن تصيبه العين بتشوهات خِلقية أو تصيبها هي نفسها بعسر الولادة، و يلجأ معظم هؤلاء إلى زيارة الأضرحة ظناً منهم أن الصالحين الذين يرقدون فيها، يمتلكون قدرات خارقة تمكنهم حسب الاعتقادات الإجتماعية الخرافية من حماية الزائرين من القوى الخفية و من العيون الملتهبة بالشر، و ذلك بعد أن يقدم الزوار الهدايا و القرابين، وهي عبارة عن منح مالية أو ذبائح شيطانية لم يذكر اسم الله عليها، تقدم للمشرفين على الأضرحة.  

      إن هذه الاعتقادات و الممارسات المستعملة للوقاية و التحرز من العين الحاسدة، هي طرق شيطانية مبتدعة تُنسب للإسلام و الإسلام بريء منها، بل هي من صنع عقول المسلمين الضالين المضلين الذين ابتعدوا عن الدين و غرقوا في أوحال الجهل، و ادّعوا الانتساب لأهل العلم إدّعاء المزورين الكاذبين، فاختلقوا طقوساً مبنية على اعتقادات و تصرفات تُخرج الإنسان من دائرة المؤمنين المهديين و تلقي به في خندق المشركين الفاسقين، و لو تاب هؤلاء عن ضلالاتهم لعفى الله عنهم، و لوجدوا في القرآن الكريم و في سنة سيد الأولين و الآخرين طرقاً  فعالة للوقاية من العين و وسائل ناجعة لعلاج المصابين من شرها.

      و خلاصة القول في هذا الباب، أن من واجبنا نحن المسلمين المعاصرين أن نُؤمن بالعين الحاسدة في حدود المعقول، دون إنكار لحقيقتها و دون تضخيم لشرها، و أن نبتعد كل البعد عن الطرق الوقائية و العلاجية الضالة  التي سلف ذكرها، و نستبدلها بالوسائل الاستشفائية السليمة المستمدة من كتاب ربنا و من سنة نبينا محمد صلّى الله عليه و سلّم، و هذا ما سيتطرق إليه المحور الموالي من هذا المقال.

 4.       الوقاية و العلاج من العين الحاسدة

      إن أي إنسان مُعرض للإصابة بالعين و لا ينجو منها أحد، لا نبي و لا صحابي و لا مؤمن و لا فاسق و لا كافر، لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن الإصابة بالعين لا تتم إلا بإذن الله تعالى، فإذا أراد الله أن يحفظ عبداً من عباده، فمهما نظر الناس له بإعجاب أو بحقد أو بحسد فلن يصيبه مكروه نهائياً، لأنه مشمول بعناية الله عز و جل الذي يقول ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون﴾ (التوبة : 51).

      لقد أشار ابن القيم إلى هذه الحقيقة، حين أكد على أن  نظرات الناس هي سِهام تخرج من عين الحاسد نحو المحسود تصيبه تارة و تخطئه تارة أخرى، فإن صادفته مكشوفاً لا أثر للوقاية فيه من أذكار و أدعية و تحصينات نبوية فإنها تُأثر فيه و لابد، و إن صادفته حذراً  متمسكاً بسنة نبيه في الوقاية من العين و لا منفد فيه لتوغل سهام الحقد و الحسد لم تُأثر فيه، و ربما رُدّت النظرات الملتهبة بالشر على صاحبها (14).

      فمن أراد أن يتحصَّن من العين الحاسدة، فعليه أن يطلب العصمة ممن يأذن لها بالتأثير و هو الله جل علاه، الذي قد يبتلينا بها لينظر هل سنلجأ إليه ليحمينا من عيون عباده الممتلئة بالضغينة، أم أننا سنلجأ إلى عباده العاصين  الذين يصنعون القلادات و التمائم المحتوية على صورة عين أو حدوة حصان أو ما شابه ذلك، و يقدمونها لضعفاء الإيمان منا، ظانين بذلك أنهم يُحسنون صنعاً و هم في الحقيقة يُغضبون ربهم و يسيئون إلى أنفسهم و يضلون إخوانهم المسلمين، لأن التمائم هي جمع تميمة وهي ما يعلق في عنق الإنسان أو على جدران البنايات أو في واجهات السيارات و كل متاع الدنيا الزائل، تُوضع عليها خرزات ونحو ذلك لدفع ضرر العين الشريرة، و قد سميت تميمة لاعتقاد بعض الجهّال أن بواسطتها يَتِمُ أمرهم، و تُقضى حاجتهم  المتمثلة في كونهم يحفظون بها من العيون الملتهبة بالشر. وتعليق التمائم محرم  شرعاً، لأنه تشبه بما كان يفعله المشركون في عهد الجاهلية. و من مظاهر الوقاية الشرعية من العين الحاسدة نذكر :

 1.4. الاستعاذة بالله من شرها  فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال : « استعيذوا بالله من العين فإن العين حق » رواه ابن ماجة، فإن تخلى المسلم عن هذا المنهج الوقائي النبوي تحت ضغط خوفه الشديد من عيون الناس، و لجأ إلى المشعوذين و الدجالين فجزائه من جنس عمله، فالله يتخلى عنه و يحرمه من حمايته الربانية، و يوكِّله إلى نفسه و إلى الناس و حينها يكون من أشد المعرضين للإصابة بالعين الحاسدة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كان النبي صلّى الله عليه و سلّم يعوِّذ الحسن و الحسين و يقول : إن أباكما كان يعوِّذ بها إسماعيل و إسحاق : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان و هامة و من كل عين لامّة »، فلما نزلت المعوذتين أخذ بهما و ترك ما سواهما من التعويذات.

 2.4.  الإكثار من الذكر و الدعاء و المواظبة على أذكار الصباح و المساء، فأذكار الصباح (قبل صلاة الفجر) تحميك بإذن الله تعالى من كل مكروه طيلة النهار، و أذكار المساء (بعد صلاة العشاء) تقيك من أذى كل المخلوقات طيلة الليل، كما ورد أنه صلّى الله عليه و سلّم  كان عندما يريد النوم يجمع يديه و ينفث فيهما، و يقرأ آية الكرسي و المعوذتين و الكافرون و الإخلاص ثلاث مرات، ثم يمسح بهما ما أقبل من جسده، فيبدأ بوجهه و عنقه و صدره و بطنه و رجليه، فلما مرض (بالمرض الذي مات فيه)، كانت عائشة رضي الله عنها تقرأ بها و تنفث و تمسح بيده رجاء بركتها، رواه البخاري.

     و ينبغي الإشارة إلى أن التعوذ من شر العين الحاسدة و التحصُّن من شرها، عبر الذكر و الدعاء و الرقية الشرعية، هي وسائل وقائية أثبتتها السنة النبوية، حيث أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان يعوِّذ نفسه من شرها و يعوِّذ حفيديه الحسن و الحسين منها كذلك، كما أكد عليه الصلاة و السلام على أن هذا السلوك الوقائي كان من عادات إبراهيم عليه السلام، الذي واظب عليها و كان يعوذ ابنيه إسماعيل و إسحاق من آفة العين الحاسدة.

    ومن أهم الأمور التي ينبغي أن يدركها المسلم في هذا السياق، أن خير الرقية هو ما يرقي به الإنسان نفسه، كما يجوز له أن يرقي أبنائه الصغار العاجزين عن الإدراك، لكن بمجرد أن يصبح الطفل مدركاً ففي هذه الحالة ترى الوالدين يجتهدان في تربية أبناءهم على العمل بهذا المنهج الوقائي النبوي.

 3.4.  التبريك و هو  دعاء العائن للمعيون بالبركة المتمثلة في قول النبي صلّى الله عليه و سلّم لعامر بن ربيعة رضي الله عنه  « علام يقتل أحدكم أخاه؟! هلا إذا رأيت ما يعجبك بَرَّكت؟!...» رواه أحمد، إن التبريك حسب هذا الحديث مانع بإذن الله تعالى من العين، فهو من قدر الله عز و جل في الوقاية و التحصُّن من إلحاق الأذى بالناس. أما فيما يخص الحكم الشرعي المتعلق بالتبريك، فقد قال أهل العلم  بوجوبه على من رأى ما يعجبه و أَثَّمُوا تاركه، و السر في كونه آثماً أن النبي صلّى الله عليه و سلّم خاطب عامر بن ربيعة و هو متغيظ عليه.

      أما صفة التبريك فهي أن تدعوا بالبركة للشخص الذي تشاهده، كأن تقول اللهم بارك لفلان في صحته إن أعجبتك صحته، أو في ماله أو في ولده...إلخ، و عموماً فإن صيغة التبريك هي (اللهم بارك له) أو بارك فيه أو بارك عليه، أما عبارة (تبارك الله) فلا تؤدّي معنى التبريك، بل تدخل في باب تمجيد الله تعالى كقوله سبحانه ﴿..فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون : 14).

     كما ينبغي الإشارة إلى أن بعض المسلمين يغضبون إذا طَلَب منهم أحد إخوانهم "التبريك"، و يعتبرون ذلك إهانة في حقهم و إساءة للظن بهم، على اعتبار أن الناس يعتقدون بأن من طُلِبَ منه التبريك فهو يمتلك نظرات خبيثة تلحق الضرر بالآخرين، و تجعله منبوذاً داخل محيطه الاجتماعي و هذه مغالطة كبيرة، فكل إنسان في داخل صدره توجد نفس يغلب عليها أحياناً دافع الخير، و يطغى عليها أحياناً أخرى دافع الشر، و تنزيه النفس عن إلحاق الأذى بالآخرين هو اعتقاد خاطئ، و هو إدعاء للعصمة و العصمة في الحقيقة هي لله وحده، و قد منَّ الله بها على رسوله محمد صلّى الله عليه و سلّم فقط دون غيره من بني البشر، و بناء على ذلك فإذا دعاك أحد إخوانك للتبريك يا أيها العبد الصالح، عندما تُفصح له عن إعجابك بشيء ما، فهو يُذكرك باغتنام باب من أبواب المعروف، و يجنبك الوقوع في ترك التبريك الذي يُكافئ فاعله و يُأَثم تاركه(15).

    إن هذه الطرق الوقائية تعتبر من أهم  الوسائل الجائزة من الناحية الشرعية للتحصُّن من العين الحاسدة، أما فيما يخص العلاج من هذا المرض الروحي فيتضمن عدة طرق إستشفائية مستمدة من السنة النبوية، نذكر من بينها :

   • التداوي بالرقية الشرعية    فعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يأمر أن أسترقي من العين» رواه البخاري، و عن جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة و السلام قال لأسماء بنت عميس : « مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة نحيفة، يصيبهم الحاجة ؟ قالت : لا، و لكن العين تسرع إليهم، فقال أرقيهم » فعرضت عليه فقال « أرقيهم » رواه مسلم.

      و ينبغي الإشارة إلى أن  شروط جواز الرقية من الناحية الشرعية ثلاثة و هي : أولاً أن تكون بكلام الله تعالى أي من القرآن الكريم. ثانياً أن تكون الرقية باللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره كالأذكار و الأدعية، و منها رقية جبريل عليه السلام للنبي صلّى الله عليه و سلّم التي رواها مسلم في صحيحه : « باسم  الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك ». أما الشرط الثالث لجواز الرقية فهو أن يعتقد الراقي بعد أن يرقي نفسه أو يرقي غيره، بأن الرقية لا تؤثر في مرض الإصابة بالعين إلا بإذن الله جل علاه، و الدليل أن الموت مثلاً لا ينفع معه لا دواء و لا رقية قال سبحانه و تعالى  ﴿كلا إذا بلغت التراقي، و قيل من راق، و ظن أنه الفراق، و التفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق﴾ (القيامة : 26-30).

      إن خير أنواع الرقية أن يرقي المصاب بالعين نفسه بنفسه، فإن عجز عن ذلك لشدة المرض أو لفقدانه الوعي، فيمكن أن يرقيه أحد إخوانه المسلمين ممن يعرف بالصلاح و التقوى و العلم، و عليه أن يتفادى بالمقابل اللجوء إلى أولئك الذين اتخذوا من العلاج بالرقية حرفة يبتزون بها أموال الناس بدون عناء و لا تعب، و هي ممارسة لم نشهد لها مثيل   لا في عصر الصحابة و لا في عهد التابعين، فالرقاة المعاصرون الذين يمتهنون الرقية إذن  هم أشخاص يجانبون الصواب، لابتعادهم عن الأسباب الحقيقية لاكتساب الرزق الحلال، عبر العمل و المثابرة و الانخراط في مصادر الدخل الحقيقية من فلاحة و تجارة و صناعة....إلخ، التي يعيش من خلالها الفرد و يزدهر بواسطتها المجتمع.

  • اغتسال العائن و صب ماء غسله على المعيون  ففي الحديث الذي أوردناه في المحور الأول من هذا المقال، و الذي تناول قصة الصحابي سهل بن حنيف رضي الله عنه، الذي مرض من جراء إصابته بعين عامر بن ربيعة، فلما عَلِمَ النبي صلّى الله عليه و سلّم بذلك عاتب عامر على فعلته قائلا « هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت ؟! »، ثم قال له « اغتسل له » فغسل وجهه و يديه و مرفقته و ركبتيه و أطراف رجليه و داخل إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس » رواه أحمد.

      كما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال : "العين حق و لو كان شيء سابق القدر سبقته العين و إذا استغلتم فاغسلوا "، أي إذا طُلِبَ من شخص أن يغتسل من أجل رفع ضرر الإصابة بالعين فيجب عليه أن يطيع، فإذا نظر العائن للمعيون دون أن يُبرِّك فإن ذرات موجاته الكهرومغناطيسية تكون متهيجة، فتنطلق من عينه و تتسرب إلى جسد المعيون فتضره بإذن الله عز وجل، لقوة شحنتها الضارة ففي هذه الحالة يكون الدواء حسب الأحاديث الواردة في هذا السياق، هو اغتسال العائن و صب ماء غسله على المعيون.

      إن السر في الاغتسال من الناحية النفسية، هو أن العائن حين يُطلب منه أن يغتسل يشعر بالذنب لأنه تسبب في إلحاق الضرر بأخيه المسلم، فتتغير نيته من الضرر إلى النفع و يحاول إغتنام الفرصة لإصلاح ما أفسدته عينه، و في ظل هذه الأجواء الإيمانية المفعمة بالطهر تتغير حالته النفسية من الحسد و الحقد للمعيون إلى الشعور بالرغبة في علاجه  و حمايته من أضرار العين الحاسدة، و تُأثر هذه الحالة النفسية الإيجابية للعائن على المستوى العضوي أي على الموجات الكهرومغناطيسية لمجاله البصري، حيث يتم تفريغ الشحنات الزائدة على شكل فوتونات لتنتقل ذرات هذه الموجات من الحالة متهيجة إلى الحالة العادية، فتصدر عن العائن حين يغتسل موجات كهرومغناطيسية غير مؤذية، و حين يُصب ماء غسله على المعيون تُذهب الموجات العادية ضرر الموجات المتهيجة .

    إن ابن القيم الجوزية يقدم وصفاً توضيحياً لهذه الطريقة العلاجية بقوله، (إن ترياق الحية في لحمها) (16)، أي أن العائن الذي أصاب المعيون هو الذي ينتج الدواء الذي يشفيه بإذن الله تعالى، كما هو الحال بالنسبة للغضبان الذي تتعافى نفسه المشتعلة بنار الغضب، فتنطفئ بماء الوضوء، فقد أخرج الإمام  أحمد و أبو داوود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه كلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ ثم قال حدثني أبي عن جدي عطية قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : « إن الغضب من الشيطان، و إن الشيطان خلق من النار، و إنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ».

       أما التفسير العلمي لهذه الطريقة العلاجية (اغتسال المعيون بماء وضوء العائن)، فيُبيِّنه الدكتور خمساوي أحمد خمساوي الأستاذ بكلية الزراعة جامعة الأزهر، من خلال أبحاثه المتمحورة حول الخصائص العضوية للماء، حيث يبين بأن بنية الماء المكونة من ذرة من الأوكسجين و ذرتين من الهيدروجين، تجعل جزيء الماء يدور بسرعة كبيرة حول نفسه و حول الأجسام التي يبللها(17)، مما يؤدي إلى إعادة التوازن الطاقي داخل الأجسام، كما أن للماء قوة انسيابية في بروتوبلازم الخلايا الحية مما يحسن من طاقة الحياة فيها، و بذلك يساهم الماء الذي يغتسل به العائن في إعادة التوازن لذراته الكهرومغناطيسية و يحوِّلها من حالة متهيجة إلى حالة عادية (18).

      كانت هذه محاولة للتفسير العلمي لاختيار السنة النبوية الماء دون غيره من السوائل الأخرى كزيت الزيتون أو العسل للاستشفاء من العين الحاسدة، لكن ما هي العلة التي ينبغي من أجلها أن يغتسل المعيون بالماء بعد أن يغتسل به العائن أولاً ؟ و لمذا يغتسل العائن بالضبط  و ليس شخصاً آخر غيره ؟ إن الجواب المحتمل على هذا السؤال نجده عند العالم الدنماركي نيلز بور (Niels BOHR ) الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1922، الذي بيّن من خلال أبحاثه على الموجات الكهرومغناطيسية أن هذه الموجات، حين تصدر عن جسم مُعيّن فإنها تختلف في طولها و ترددها عن نفس الموجات الصادرة من جسم آخر(19)، و بناء على هذه النتيجة يمكن أن نفهم لمذا ينبغي للمعيون أن يغتسل بالماء الذي غسل به العائن بالضبط دون غيره من الناس،  ربما لأن الذرات الكهرومغناطيسية لكل إنسان لها أطوال موجية محددة و سرعة محددة و مستوى طاقة محدد أيضاً، خاص بذلك الإنسان دون غيره من الناس، مثل خصوصية البصمات و رائحة العرق التي تختلف من شخص لآخر، و بالتالي لا يمكن علاج المعيون من الموجات المتهيجة التي تأذى بها من طرف العائن، إلا من خلال نفس هذه الموجات بعد أن يتم تخليصها بواسطة الاغتسال بالماء من شحناتها المؤذية.

الخلاصة

 إن أهم الاستنتاجات التي يمكن الخروج بها بخصوص هذا الموضوع،

 أولا أن علم النفس من منظور إسلامي، يقدم وصفاً دقيقا وطرقاً وقائية وعلاجية فعالةً لمرض الإصابة بالعين الحاسدة، باعتباره أحد الأمراض الروحية التي صنفها علمائنا المسلمون، وهو تصنيف مبني على معارف يقينية مستمدة من الوحي، وحقائق منقطعة النظير في علم النفس الغربي، الذي قدم معلومات ظنية مرتبكة لهذا المرض في إطار تخصص ما وراء علم النفس.

 ثانياً أن مرض الإصابة بالعين لا يقع إلا بإذن الله تعالى، و ليس مرتبط فقط بضرر شخص لشخص آخر عبر النظر إليه بعيون مشحونة بالحقد و الحسد.

  ثالثاً أن الوقاية من العين الحاسدة و الشفاء منها بعد الإصابة بها، لا يقع أيضاً إلا بإذن رب العالمين، لكن بعد اتخاذ الأسباب المؤدّية لذلك من أذكار و أدعية و رُقى شرعية. رابعاً إن الأبحاث في هذا المجال لا زالت في بدايتها، و ينبغي أن يهتم الأخصائيون النفسيون بشراكة مع إخوانهم الباحثين في مجال العلوم الفيزيائية،  بإنجاز دراسات تبيِّن لنا كيفية وقوع هذه الظاهرة. خامساً و أخيراً، ينبغي لعامة المسلمين أن يُقبلوا على الإطلاع على دينهم، لأن أكبر عدوّ للإنسان هو الجهل و ليس الفقر، و أول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي  الأمر بالقراءة (إقرأ)، ليعلم المسلمون بموقف الإسلام من العين الحاسدة، حتى يكفوا عن المبالغة في الخوف من شرها، و يتعلموا الطرق الجائزة شرعاً للوقاية و العلاج منها.

 المراجع

 (1) د. محمد عز الدين توفيق، التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية، ص : 415، دار السلام، الطبعة الأولى، القاهرة - مصر، 1418 هجرية/ 1998 ميلادية.

(2) د. المصطفى الهند، قضية مس الجن للإنس في الفكر الإسلامي بين الحقيقة والوهم، ص : 55-67  ، طوب بريس، الطبعة الأولى، المحمدية - المغرب، 1424 هجرية/ 2004 ميلادية.

(3)              Broughton R.S., Parapsychologie, une science controversée. Ed du Rocher, 1995

(4) الطبري (ت 310 ه)، جامع البيان في تفسير القرآن؛ الزمخشري (ت 538 ه)، الكشاف؛ الرازي (ت 606 ه)، مفاتيح الغيب؛ القرطبي (ت 671 ه)، الجامع لأحكام القرآن؛ ابن كثير (ت 774 ه)، تفسير القرآن العظيم؛ البيضاوي (ت 685 ه)، أنوار التنزيل و أسرار التأويل؛ السيوطي (ت 864 ه)، تفسير الجلالين؛ الشوكاني (ت 1250 ه)، فتح القدير؛ الألوسي (ت 1270 ه)، روح المعاني؛ ابن عاشور (ت 1393 ه)، التحرير والتنوير؛ طنطاوي (ت 1431 ه)، الوسيط في تفسير القرآن الكريم.

(5) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن؛  السيوطي ، تفسير الجلالين.

(6) هذه الموجات اكتشفها العالم جيمس ماكسويل سنة 1865 (انظر المرجع)

 MAX WELL. J.C, Dynamical Theory of Electromagnetic Field, Transactions of the royal society of London Philosophical, 512-549 : 155, 1865.  

(7) كما يتم قياس تردد هذه الموجات بالهيرتز (Hertz).

(8) Max Planck, Electromagnétisme, traduit de l'allemand avec notes et compléments, Paris, Librairie Félix Alcan, 1939, 449 p.

JL Heilbron, Planck, la révolution quantique, Les génies de la science, 2006, 27, p. 32-120.                 

(9) لقد سمى العالم الفيزيائي ماكس بلانك كميات الطاقة الزائدة "بالكموم" باعتبارها مجموعة من الحزم الصغيرة من الطاقة و قد  وصفها ألبرت إينشتاين بشكل دقيق فاطلق عليها اسم "كموم الضوء"، و هي ما أصبح يعرف اليوم بالفوتونات.

(10)   GRANGIER , P ; ROGER, G ; and  ASPECT, A.(1986);  «Experimental evidence for a photon anticorrelation

 effet on a beam  splitter : a new light on single-photon interferences », Europhysics Letters 1: 501-504.      

(11) ابن القيم الجوزية، الطب النبوي، فصل في هديه صلّى الله عليه و سلّم في علاج المصاب بالعين، ص : 103-104، تحقيق و تخريج د. محمد الإسكندراني، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت – لبنان، 1424هجرية/ 2004 ميلادية.

(12) نفس المرجع، ص :107. 

(13) د. محمد عز الدين توفيق، التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية، ص :415.  

(14) ابن القيم الجوزية، الطب النبوي، ص :105.

(15) د. محمد نمر بابية، العين العائنة..حاسدة قاتلة،  مجلة الفرقان الأردنية،  العدد 79، 1428 هجرية/ 2008 ميلادية.

(16) ابن القيم الجوزية، الطب النبوي، ص :107.

(17) د. الخمساوي أحمد الخمساوي، مبادئ كيمياء التغدية، ،  دار الهدي للنشر، القاهرة – مصر، 1420هجرية/ 2000 ميلادية. انظر بحث  « دراسة الحسد بين القرآن و العلم الحديث » لنفس المؤلف.

(18) البروتوبلازم : هو سائل لزج يتكون من 70% من الماء و 30% الباقية تتألف من سكريات و أحماض أمينية و مواد عضوية و غير عضوية أخرى، و من وظائف البروتوبلازم الأساسية المساهمة في التبادلات الطاقية بين الخلية و محيطها.

     

(19)                    G. Peruzzi,  Niels Bohr : À l'aube de la physique atomique, Les Génies de la science, 2008, n° 34.

François Lurçat, Niels Bohr et la physique quantique, Seuil, Collection Points Science, 2001.

 

المصدر : www.elazayem.com

إقرأ 7670 مرات
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed